المقريزي
121
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وادّعوا أنّ الإجماع قائم على ذلك ، وقاموا على المناوي في ذلك قومة عظيمة ، فقال : نحن نحكم بالظّاهر . فقالوا له : ما لم يظهر الباطن بخلافه . فقال : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « نحن نحكم بالظّاهر » . قالوا : هذا الحديث كذب على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنّما الحديث الصّحيح حديث « إنّما أنا بشر ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض . . . » الحديث . / قال المناوي : الأحكام ما هي بالفتاوى . قالوا له : فبماذا تكون ؟ أفي الوجود حكم شرعيّ بغير فتوى من اللّه ورسوله ؟ وكان قد قال في مجلس ابن الدّريهم القائم على نفيس اليهودي - المدعو برأس الجالوت « 1 » بين اليهود - لا يلتفت لقول المفتين . فقيل له في هذا المجلس : ها أنت قد قلت مرّتين : إنّ المفتين لا يعتبر قولهم ، وأنّ الفتاوى لا يعتدّ بها . وقد أخطأت في ذلك أشدّ الخطأ ، وأنبأت عن غاية الجهل ، فإنّ منصب الفتوى أوّل من قام به ربّ العالمين ، إذ قال في كتابه المبين : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ الآية 176 سورة النساء ] ، وقال يوسف - عليه السّلام - : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [ الآية 41 سورة يوسف ] ، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة - رضي اللّه عنها - : « قد أفتاني اللّه ربّي فيما استفتيته » . وكلّ حكم جاء على سؤال سائل تكفّل ببيانه قرآن أو سنّة فهو فتوى ، والقائم به مفت ، فكيف تقول : لا يلتفت إلى الفتوى أو إلى المفتين ؟ فقال سراج الدّين الهندي وغيره : هذا كفر ، ومذهب أبي حنيفة أنّ من استخفّ بالفتوى أو المفتين فهو كافر . فاستدرك نفسه بعد ذلك وقال : لم أرد إلّا أنّ الفتوى إذا خالفت المذهب فهي باطلة . قالوا له : وأخطأت في ذلك أيضا ، لأنّ الفتوى قد تخالف المذهب المعيّن ، ولا تخالف الحقّ في نفس الأمر . قال : فأردت بالفتوى التي تخالف الحقّ . قالوا : فأطلقت في موضع التّقييد ، وذلك خطأ . فقال السّلطان حينئذ : فإذا قدّر هذا ، وادّعيت أنّ الفتوى لا أثر لها ، فنبطل المفتين والفتوى من الوجود . فتلكّأ وحار وقال : كيف أعمل في هذا ؟ فتبيّن لبعض الحاضرين أنّه استشكل المسألة ، ولم يتبيّن له وجهها ، فقال : لا شكّ أنّ مولانا السّلطان لم ينكر صدور الوقف ، وإنّما أنكر المصارف ، وأن تكون الجهة التي عيّنها هي هرماس وشهوده وقضاته ،
--> ( 1 ) عن وظيفة رأس الجالوت Head of the Disspora ، أي رئيس يهود المنفى ، راجع ، Cohen , M . R . , Jewish Self - Government in Medieval Egypt . The Origins of the Office of Head of the Jews , Ca . L 2 1065 - 1126 , Princeton N . J . 1980 .